أبي طالب المكي
5
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
بنظره إليه ، وعزّ بقوّته به ، واستغنى بقربه منه ، وشرّف بحضوره عنده . وكذلك جاء في الخبر : كفى باليقين غنى . حينئذ نظر إليه في كل شيء ، ووثق به ، واعتمد عليه دون كل شيء ، وقنع منه بأدنى شيء ، وصبر عليه ، ورضي عنه ، إذ لا بدّ له منه ، فثمّ لا يطمع في سواه ، ولا يرجو إلا إياه ، ولا يشهد في العطاء إلا يده ، ولا يرى في المنع إلا حكمته ، ولا يعاين في القبض والبسط إلا قدرته . هناك حقّت عبادته وخلص توحيده فعرف الخلق من معرفة خالقه ، وطلب الرزق عند معبوده ورازقه ، وقام بشهادة ما قال تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) * [ الأعراف : 194 ] وقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ من دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ ) * [ العنكبوت : 17 ] . فعندها لم يحمد خلقا ولم يذمّه ولم يمدحه لأجل أنه منعه أو أنه أعطاه إن كان الله هو الأوّل المعطي ، ولم يشكره إلا لأن مولاه مدحه وأمره بالشكر له تخلقا بأخلاقه ، واتّباعا لسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن ذمه أو مقته فلأجل مخالفته لمولاه بموافقته هواه ، لأنه تعالى قد مدح المنفقين وذمّ الباخلين . والفرق بين الحمد والشكر : أن الحمد مفرد لا ينبغي إلَّا لله وهو الاعتراف بأن النعمة من الله عزّ وجلّ ، وحسن المعاملة بها لوجه الله لا شريك له فيه . ولذلك قال : الحمد لله ربّ العالمين ، أي الحمد كلَّه لا يكون ولا ينبغي إلَّا لله ، لأنه ربّ العالمين . وفي الخبر : الحمد رداء الرحمن عزّ وجلّ ، والشكر إظهار الثناء ، وأسرار الدعاء للأواسط ، فهذا مشترك يدخل فيه الوالدان ، وهو أيضا مخصوص لمن هو أهل أن يشكر من الناس . حدثونا عن يوسف بن أسباط قال : قال لي الثوري : لا تشكر إلا من عرف موضع الشكر . قلت : وكيف ذاك ؟ قال : إذا أوليتك معروفا ، فكنت به أسرّ منك ، وكنت منك أشد استحياء فاشكر وإلا فلا . وسأل إبراهيم رجلا من أصحابه درهمين فلم يكن معه ، فأخرج فتى في مجلسه كيسا فيه مائتا درهم ، فعرضه عليه فلم يقبله وقال : أو كل من بذل لنا شيئا قبلناه منه ؟ لا نقبل إلا ممن نرى نعمة الله عليه فيما أعطى أعظم من نعمته علينا فيما نأخذ . وحدثونا عن الحسن في قصة طويلة أن رجلا بذل له جملة من المال فردّه ، فلما انصرف قال له هاشم الأوقص : عجبت منك يا أبا سعيد رددت على الرجل كرامته . فانصرف حزينا ، وأنت تأخذ من مالك بن دينار ومحمد بن واسع الشيء بعد الشيء . فقال له الحسن : ويحك إن مالكا وابن واسع ينظران إلى الله فيما نأخذ منهما ، فعلينا أن نقبل ، وإن هذا المسكين ينظر إلينا فيما يعطي ، فرددنا عليه صلته ، وعندها لا تذم أحدا ولا تبغضه لأجل أنه كان سببا لمنعه إذ كان الله هو المانع الأوّل ، وإذ له في المنع من الحكمة مثل ما له من العطاء من النعمة ، ولكن نذمّه وننقصه ونبغضه إن كان استوجب